الرسالة الثانية من القاهرة : لماذا أكتب..؟ ولماذا لأ أكتب ؟

 



 

 

صباح الخير يا أسماء

عندما قرأت رسالتك الأخيرة، لم يكن في مُخيلتي قط أنني قد أستغرق ما يُقارب الشهرين لأكتب لكِ ردي، حتى أنني قد بدأت مسودة هذه الرسالة مُنذ أسابيع، ثُم نسيت امرها تماما.

يبدو أن الوقت ينسل من يدي بنعومة شديدة، لا أشعر به، ولا أدركه، حتى مع كُل مُحاولاتي للتركيز وتنظيم الوقت، فحتى بعد هذه المُحاولات، لازالت أيامي تحكمها الفوضى في اغلبها. لولا الأمور المُحددة مُسبقاً، كمواعيد التمارين ، او موعد الطبيب مثلاً

لكن في الحقيقة مُنذ آخر مرة كتبتُ لك فيها، حدث الكثير ، سافرت لأسطنبول لأسبوع، تلا عودتى عشرة أيام من الاجازة للعيد ، ثُم أسبوع أو أكثر في التحضير لزفاف ابنة خالتي. أشعر انني لم ألتقط أنفاسي إلا مؤخراً في بداية شهر أغسطس، وإن كان يصعب عليَ إلتقاط الانفاس في أغسطس، فأنا شخص لا يُحب الصيف واُصاب بالخمول الشديد فيه.

وجدتُها، سألقى باللوم على الصيف و جوه الحار في تأخري في الرد على رسالتك .

 أما سؤالك عن الكتابة، فبالرغم من أنني اعتقد انني قد أجبت على هذا السؤال عدة مرات خلال سنوات اهتمامي بالكتابة، إلا اننا أقف امامه في كل مرة يتجدد فيها، واشعر انني لا املك إجابة فعلية له.. هل يُمكننا اعتبار : ( لا أعلم لماذا اكتب ) إجابة مُرضية؟
أو ربما تغير الإجابة بتغير الأزمنة هو ما يُعطيني هذا الشعور الزائف بأنني لا اعرف.

لكن اعتقد ان الاجابة الأقرب للواقع بالنسبة لي والتي تكون جزءً كبيراً من دوافعي، هي أنني أخشى النسيان، واخشى ذاكرتي الضعيفة المُهترئة، لذلك تُمثل لي الكتابة ملاذا ومفراً منهما. عندما اُصبح عجوزاً بذاكرة سمكة، لا اتذكر الأوجه ولا الأماكن، وابدو بلا تاريخ وهوية، سيُساعدني كل ما كتبته على تذكر من انا، وما كنته يوماً.

مؤخراً فتنني جانبٌ آخر من الكتابة لم أكن مُنتبهةةً له، وهو جانب التسجيل والتوثيق، الذي كان تُمارسه الانسانية مُنذ بداية الزمن، ولولا هذا الفعل البسيط، لما انتقلت لنا كل العلوم والفنون، وحتى التفاصيل اليومية عمن سبقونا. الكتابة هي أصل الانسانية كلها.

اما وقد أضفتُ في العنوان جزءً آخر للسؤال وهو لماذا لا اكتب ؟ فيبدو انني يجب ان اجيب عليه من باب الكياسة.
لأنني اجد نفسي اعود للكتابة دوماً، فقد حيرتني دائماً فترات الانقطاع الطويلة عنها، ولماذا لا اجلس واكتب بالرغم من ان كل افكار وكل ملاحظاتي عن العالم حولي تتحول فوراً لنص، او جملة، وتنمو رغبتي الداخلية في كتابته فوراً، وفي الحقيقة انني فعلاً ان لم اسجله فوراً، فهو فريسة للنسيان خلال الثوان القليلة التالية لذلك.

ومع ذلك، يُصيبني الكسل في أغلب الوقت، واكتشفتُ ان احد الأسباب التي كانت تدفعني لعدم الكتابة، هو خوفي من انتهاء الوحي عني، خوفي من ان اُفرط في كل فكرة تحضرني، فلا اجد ما اكتبه فيما بعد، وانني من الافضل ان احتفظ بالافكار او النصوص بداخلي حتى تكتمل. تعاملتُ مع تسجيل الافكار على انه استنزاف لها، فأصبحت افقدها في كل الحالات

بصراحة اجد انها حالة غبية أصبتث بها نفسي، ودعمها كسلي احياناً، وحجج أخرى متنوعة. لكنني اكتشفت ان " الكتابة بتجيب كتابة " ولذلك اسعى لحضور ورش تُساعدني على تحفيز قلمي بعد فترة توقف، او تبادل الرسائل كما افعل معك اليوم ليكون لدي دائماً نص ما أو فكرة ما تحتاج للكتابة، بل وتُلزمني بكتابتها.

Does this make any sense ?

اخبرتُك انني سافرتُ لإسطنبول لمدة اسبوع ، كُنت مع عدة صديقات، السفر مع الأصدقاء ليس دائما كما نتصوره، قد تكون تجربة رائعة اكثر مما نتصور، أو كارثية اكثر مما نتصور، او مزيج من عدة اشياء، فكل يُوم يُمكن ان يتخذ شكلاً جديداً

واعتقد ان سفرتي هذه كانت ذلك المزيج، استمعتُ في بعضها، وكُنت مُرهقة في بعضه، واستنزفتني الكثير من الأمور، اهمها تلك المُعاملة السيئة التي لقيناها من أهل البلد، سواء مع سائقي التاكسي، او البائعين، او حتى السائرين في الشارع.

سافرتُ لإسطنبول عدة مرات، وكانت هذه اكثرهم استنزافاً لطاقتي خلال تعاملاتي اليومية وتحركاتي، ورُبما حتى انعكست على تعاملي في بعض المواقف مع صديقات الرحلة.

لكن يبقى أنني شعرتُ بالهدوء ما ان ادخل مسجداً، او اجد سُلماً استطيع السكون عليه لدقائق.

ماذا عنك .. هل سافرتِ من قبل لمكان ، واستنزف طاقتك، بدلاً من جعلك تسترخين ؟



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرسالة الثانية من أوهوس ـ عن أثر التنقل بين البيوت والبلاد

الرسالة الأولى- عن بيت عزة وأكمل