الرسالة الثانية من أوهوس ـ عن أثر التنقل بين البيوت والبلاد
قرأتُ ردك على رسالتي الأولى لكن تأخر ردّي، أعتذر بشدة عن تأخري هذا. فحين حكيتِ لي عن تجربتك الأخيرة في الانتقال لبيت جديد وطلبتي أن أحدثك عن تجربتي في الانتقال بين البيوت والبلدان لم أعرف ماذا أقول، أو كما قلتُ لكِ لاحقاً: "جيتي ع الجرح"..
شاهدت مؤخراً مقطع فيديو يقارن فيه أحدهم الغربة بالموت من زاوية مغايرة. يقول إنك حين ترحل بالموت لن ترى الحياة وهي تسير بدونك، لن يؤلمك غيابك. أما في الغربة فحياتك التي تعرفها وتعرفك ستسير بدونك وأنت تشاهد من بعيد. أتفق معه. في البُعد، سيكبر صغار العائلة وسيجتمع الأحباب مرات ومرات. وسيتبادل الفرح والحزن مكانيهما عدة مرات في حياة من تحب، ولن تكون حاضراً في أي منهما. في البعد، انتظرت يوماً كاملا لأرى صوراً من زفاف شقيقي. بعد أقل من شهر وضعتُ ابنتي وشاهدت أمي حفيدتها الأولى عبر شاشة ما.. لم تلمسها. ومن وراء شاشة شاهدت أمي تبتسم وتلوح لي مدة دقيقة كانت كل نصيبي من زفاف شقيقتي الوحيدة. بعد أقل من شهر كنت في غرفة الولادة بمفردي، كان إبراهيم يعتني بمريمة بكافتيريا المشفى في طابق آخر، وجاء عمر، الحفيد الثاني. رأته أمي عبر شاشة ما.. لم تلمسه. ثم تغير المشهد داخل الشاشة، وضعها شقيقي أمام وجه أمي الذي تبدّل لأودعها مرة أخيرة..
لستُ أنعي حظي أو ألعن غربتي. أؤمن أن لكل منا كيسٌ من الرزق، يشبه "كيس السبوع" الذي كنا نفرح به صغاراً (أو الـgoodie bag كما يُعرف اليوم) يحوي حفنة من هذا وذاك. ولكل نصيبه من الحزن والفرح لن يخطئه. وأنا اخترت السفر والتنقل وفيه رزق وخير كثير لي، وله ثمنه. هكذا الحال مع الجميع وأنا لستُ استثناءً. لكني أقف دائماً عند الأثر، أثر التجربة أياً كانت. والأثر الأكبر لتنقلي هو شعور يلازمني بأنه ليس لي بيت. فكل البيوت صارت مؤقتة، وكلها غير مكتملة. مع الوقت ازددت تقبلا لفكرة أني مجرد ضيفة على هذه الحياة. وللمفارقة، ازددت تمسكاً بحلم قديم، يؤنسني، بأن أبني بيتاً بمواصفات خاصة (يطول شرحها) مُحاط بالنخيل وله قِباب، يوقد فيه البخور يوم الجمعة وأطهو فيه طعاماً شهياً "للحبايب". بيت له نوافذ متقنة (جداً) من الأرابيسك. وفي تلك الجهة التي يطل منها القمر بدراً مرة بالشهر يجب أن تُثبت نافذة بحجم جدار، أو أقل قليلاً، من زجاج ملون برسومات أختار الواحدة منها بعد تفكير طويل وتردد. ثم أتذكر أنني لا أتطلع للقمر إلا فميا ندر، وأنني بعد غاضبة من نفسي.. فأعيد صياغة الحلم وأغير مكان نافذة الزجاج الملون لتواجه موضع شروق الشمس مع كل يوم جديد. وهكذا، أعيد ترتيب البيت الحلم وأزينه كلما اشتقت لبيت أسكنه.. ويسكنني.
وأقرب البيوت لقلبي في هذه الغربة كان بيتنا الثاني في ألمانيا، وله حكايته. وبالرغم من أنه لم يكن محاطاً بالنخيل، بل وربما أحاطته الثلوج والشجر العاري طيلة الشتاء إلا أنني أحببته وتعلقت به ومنحني الكثير من الدفء والعذوبة.. وكانت رائحة المخبوزات لا تنقطع به..
أما من الناحية العملية فقد صرت أكثر خبرة في تعبئة بيت ما في صناديق وإعادة إفراغ محتوياتها ببيت آخر. وفي آخر انتقال لنا كنت في غاية الرضا حين نجحت في نقل حوض الأسماك، تلك كانت عملية معقدة وحساسة بعض الشيء، ولكنها تمت بنجاح والحمد لله. نباتاتي أيضاً بخير. كان أبي مولعاً بالزراعة، كان رجلاً مميزاً. أتعرفين أنه من علمني تطريز "الكاناڤاه"؟ حالياً مريمة تتعلم ما أورثني إياه جدها. أعود للزراعة، كان أبي يزرع الكثير من النباتات في أحواض صغيرة أو في أرض واسعة.. "كان مهنينا". ربما ورثت شيئاً من هذا الولع فلا أستغني الآن عن وجود النبات ببيتي.
أشعر أيضاً أنني أصبحت “منيماليست" من أثر التنقل، أقتني ما أحتاج فقط. لا فائض عندي، وأبحث دائماً عن الجودة. فحذاء رياضي واحد متقن الصنع قد يكون باهظ الثمن لكني أراه استثماراً لبضع سنوات وسأرتديه أثناء السفر فلن يحتاج لمساحة في حقيبتي. ووجدتني لا أحب إيكيا، لا أحب فكرة أن تكون أدوات البيت وزينته متشابهة حد التطابق عند الجميع، كأنه زي مدرسي موحد على مستوى العالم، هذا ما يفعله الإنتاج الضخم متوسط الجودة (يمكنك مثلا مشاهدة ديكور حجرة في مسلسل ما وستعرفين على الفور كل قطع إيكيا داخل المشهد). لكني بالطبع ألجأ إليه أحياناً لأن بضاعته قابلة للتخلص منها دون ندم، وهذا يحدث كثيراً عند الانتقال من بلد لبلد، حيث يجب ترك الكثير من الأشياء خلفنا.
آخ يا مي، في هذا الأمر تحديداً لدي الكثير.. الكثير جداً لأقوله، لكني أعدك بأن أعطيك كل ما لدي من أقوال واعترافات حالما أنتهي من كتابتها، فقد أورثني كل هذا التنقل مشروعاً للكتابة أتممت منه فصلا واحداً، والباقي أجزاء متفرقة تشغلني عنها الدراسة، لكني سأعود وأتمها. وإن كنت لا أعرف ماذا سأفعل بهذا المشروع إن انتهيت منه، لكني أكتب بالأساس لحاجة في نفسي.. حيلة تشبه حيلتي في بناء حلماً كالبيت، أكتب بالأساس لأستعيد كل بيت لن أعود إليه ولن يعود لي، ولأستعيد الحكايات التي أثرت بي في كل بيت، حتى القاسية منها أعيدها واقتفي أثرها في حياتي لأجعله، بالحكي، جميلاً.. فيهون.
وأنتِ يا مي، لماذا تكتبين؟
محبتي،
أسما



تعليقات
إرسال تعليق